حوار مع الفنان التشكيلي العراقي هاشم حنون

المقاله تحت باب  مقالات فنيه
في 
29/06/2011 06:00 AM
GMT



حوار مع الفنان التشكيلي العراقي هاشم حنون
شكلت مدينتي البصرة مرجعية مكانية تمثلتها في أعمالي ولكن ليس بطريقة فوتوغرافية
،
مقدمة

أفترض أولا: ان الدخول الى حقل الفن التشكيلي لا يوجب إقحام مسبقات نظرية نشأت في سياق معالجة الخطاب الادبي - اللغوي - على نتاج قوامه التجربة البصرية مما يؤدي الى حصيلة مشوهة في القراءات لكلا الحقلين، وبذلك يتحول نقد أو قراءة العمل الفني من تذوق وإنطباع الى نص أدبي مستقل من خلال تلك العلاقات القسرية بين ما هو لغوي وبين العمل البصري، كما يشير الى ذلك الناقد الكسندر أليوت بقوله: يوما سيتحدث النقاد عن الفن بمصطلحات مشتقة من تأثيره الفعلي فيهم، وعندما يحدث هذا سيكفون عن كونهم نقادا ويصبحون مؤولين. ثانيا: لا أعتقد بجدوى دخول المتلقي الى عالم اللوحة دون مرجعية جمالية معقولة في المنجز التشكيلي، ودربة بصرية، ومجسات قادرة على التقاط العلاقة الفنية التي يشكلها فضاء اللوحة النهائي وقابليتها التوليدية للتأويل البصري المستمر. لقد وضعت هاتين الفرضيتين أمامي وأنا أحاور الرسام هاشم حنون احد أهم فناني أجيال ما بعد الستينيات في العراق، والذي كنت من المتابعين لمنجزه منذ ان كان في البصرة مرورا ببغداد واخيرا في عمان. هذا غير ان هاشم حنون كان، برأي الكثير من اساتذته وزملائه والنقاد، نموذجا للفنان الدؤوب المجرب الذي يتوافر على مرجعية معرفية: أكاديمية وتقنية وأسلوبية مدعمة بخلفية جمالية ومعرفية شكلت ظهيرا لمنجزه الفني وتجربته الثرية والمتجددة. وكما قال عنه الفنان المبدع الكبير محمد مهر الدين "هاشم حنون فنان مبدع، يواكب المتغيرات التي تطرأ في الحياة الإنسانية عموما، ولا يكتفي بما أنجزه فهو دائم البحث عن منجز فني متطور، لأنه لا يؤمن بتكامل العمل الفني لذا يظل يبحث عن أشياء جديدة مضافة لأعماله".
*-هاشم... أسمح ليّ أن أبدأ الحوار من بدايتك النوعية وتحديدا من لوحة الشهيد التي عرضت في مركز الفنون في بغداد نهاية الثمانينات، والتي عدّها معظم النقاد آنذاك بوابتك الأولى للدخول بقوة الى المشهد التشكيلي العراقي، حتى جاء معرضك عام 1990 في قاعة الرواق ليؤكد ترسيخ رؤيتك الجمالية والإنسانية فنيا.. هل شكلت الشهادة تجربة تشكيلية ، وهل من إضاءة لمفهوم الشهادة التي طرحتها في المعرض؟
- .....لقد شكلت الشهادة تجربة تشكيلية متكاملة بالنسبة ليّ، أيّ بمعنى مرحلة فنية تمثلت بعدة بنى هيكلية لتوزيع الأشكال: منها البنية الارتفاعية التي تماثل لوحات صلب المسيح للرسام جريكو، بينما اتسمت البنية الأخرى بثيمة الموكب حيث الحشود التي تخترق اللوحة عرضيا وهي تحمل جسد الشهيد كما عند محمود صبري في لوحة نعش الشهيد، وعند فائق حسن وضياء العزاوي وأخيرا فيصل لعيبي، وكما في مواكب (تشابيه) العزاء في عاشوراء، هذا عن الجانب الفني لرؤيتي التي طرحتها عن الشهادة. أما إنسانيا فأنا أرى الشهيد هو الإنسان العراقي أمام محنة الحروب والقتل المجاني ، فحاولت رفع مفهوم الموت لتأكيد القيمة الخالدة للإنسان .. وبهذا أنا أدين الموت المجاني إنسانيا وجماليا.

* *-لاحظت نزوعك الدائم نحو البحث والتجريب على مستوى المادة والرؤية الفنية .. هل تعتبر معرض المصغرات الذي أقمته في مركز الفنون في بغداد عام 1993 ومعرض المواد المتنوعة الذي أستخدمت فيه مادة الجنفاص العتيق مرحلة جني ثمار جهودك لمفهوم التجريب المستند على خلفية فكرية وتراكم الخبرة الجمالية؟

- ....كانت المصغرات تمثل بحق بداية التحول نحو التجريدية- التعبيرية، فكانت استخداما على مستوى التقنية وتعدد المواد واستثمار طاقة اللون إلى أقصاها في فضاء اللوحة، بينما كان تلصيق مادة الجنفاص تجربة أستخدمت فيها اسلوب اللون الاحادي – الترابي الذي ينقلك الى أجواء الجنوب الحزين وحروبه الدائمة على مدى التاريخ، وكان الجنفاص يوفر ملمسا بصريا خشنا يستحث ذائقة المتلقي البصرية ويشكل موائمة مع الالوان الكابية التي استخدمتها لتنفيذ اللوحات في ذلك المعرض.

* *- شكّل جواد سليم والرعيل الأول من الفنانين التشكيليين فاصلة نوعية في تاريخ الفن العراقي الحديث في جهودهم الحثيثة للبحث عن هوية عراقية للمشهد الفني رسما ونحتا.. إلى أي مدى كان لديك هاجس تنفيذ لوحة تشتغل على تفاصيل البيئة المحلية برؤيا جمالية خالصة؟

- .....كان هاجس المبدع الكبير جواد سليم وزملائه هو المشاركة في تأسيس مشهد حضاري متكامل أسوة بزملائهم الشعراء والقصاصين والمسرحيين والسياسيين، ولم تكن بعض جهودهم في صالح العملية الإبداعية ، لاعتماد بعضهم على قيم ومفاهيم أيديولوجية فرضت من الخارج ، أعني من خارج فضاء الفن التشكيلي. وأنا سعيت الى تشكيل موضوعة الهوية المحلية بعيدا عن مسبقات أيديولوجية في تجربتي، وقمت بترسيخ القيم الإبداعية الجمالية لتحقيق عمل فني يحمل سمتي وبصمتي الشخصية، مستوعبا السمات المكانية التي أعيش في محيطها.

* *-هناك ثنائيات شاعت في المشهد التشكيلي العراقي تقاسمها ، الحرفي-
الفطري / والمبدع . كيف تنظر الى هذه المعادلة غير الموزونة في تقييم المنجز التشكيلي العراقي ؟
- أعتقد أن الحرفة تشكل حجر الأساس لكل فنان بأيّ عمل أبداعي، لان الحرفة هي الخبرة الأولى التي يجب ان يتوافر عليها الفنان ، أما المبدع فهو الذي يثريها بالدراسة الأكاديمية والرؤى والتجارب والبحث المستمر مع توفر معرفة في تمثل تجارب الآخرين إن الأسد هو عبارة عن خراف مهضومة . أما الحرفي وهو ما شاع في سوق الفن العراقي فهو الذي يعتاش على نسخ تجارب الآخرين ومع تقديري للحرفي في حقله الخاص، ولكنه عندما يُقحم في حقل الإبداع سوف يُظلم المبدع والحرفي معا. وأنا شخصيا لا أضع الحرفي في إطار الفن الحقيقي. وسيكون المشهد التشكيلي العراقي معافى عندما يتوفر الفرز الحقيقي بين الحرفي أو الفطري والفنان المبدع، وهذه ليست مسؤوليتي وإنما مسؤولية النقاد و الدارسين والمتلقين المهتمين .

*-لكل فنان أو صانع مرجعيات تتقاسمها التجربة القرائية- الذهنية، والتجربة الشخصية ، والمكان وجمالياته على حد تعبير باشلار.. ماذا تشكل البصرة كمدينة وذاكرة ومرجع جمعي وشخصي في تجربتك ؟

...تشكل البيئة ، أو المحيط ( بحسب شاكر حسن آل سعيد) مرجعا مهما من مراجع تجربتي البصرية ، فلقد شكلت مدينتي البصرة مرجعية مكانية تمثلتها في أعمالي ولكن ليس بطريقة فوتوغرافية ، فظهرت المدينة على شكل أطياف مشرقة في لوحتي بعد أن أجريت عليها معالجات جمالية . أنا أنتمي إلى البصرة بعلاقة جدل وإثراء، وليس بموضوعة أعادة واجترار . أما مرجعياتي النظرية فتتمثل في دراستي الاكاديمة في معهد الفنون الجميلة وبعدها مواصلة الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة –قسم النحت- هذا غير معاينة تجارب الفنانين العراقيين والعرب العالميين.

اللون لغة اللوحة الصامتة، واللغة هي صورة الشعر الناطقة، هل تؤمن بهذه المسلّمة ما هو تصورك للون في صياغة اللوحة؟*-
...لكل فنان طريقة أو تصور لدور اللون في اللوحة كبعد تقني ، وكما قال الفنان الناقد هربرت ريد" يبقى ماكس أرنست في النهاية رساما على مستوى عال من التكنيك باستخدام المادة" لذا فأن تعاملي مع اللون هو ليس وسيلتي الأولى والوحيدة لإنتاج رؤيتي في اللوحة، واللون مفردة مهمة في اللوحة وليس كلها.

لقد درست الرسم والنحت أكاديميا .. وقد حملت تجربتك وضع الضرتين في سرير واحد في أكثر من عمل. لماذا تأخر النحت في تجربتك؟ -*
....النحت فن عملي يحتاج إلى إمكانيات عملية لا تتوفر للمبدع بشكل دائم. وليّ شخصيا بسبب ظروف الترحال الدائم . لكن النحت أعطاني إحساسا بالكتلة والفراغ ، ووظفته في الكثير من لوحاتي.
- لاحظت هذه المزواجة بين الرسم والنحت في أعمالك ولكن بشكل حذر وقد حققها آخرون قبلك ؟*
.....نعم أتفق معك في هذا الازدواج الفني، لكني أردت أعادة الاعتبار لإطار اللوحة وقيمته في طرح المعنى الكلي للتجربة بعد أن هجره كثير من الفنانين بوصفه فاصلا بين داخل اللوحة ومحيطها، أو بعبارة أخرى هو السجن الأبدي لرؤيا اللوحة .حاولت المزواجة بين الرسم والنحت داخل اللوحة في محاولة مني لجعل أطار اللوحة المنحوتة يتناغم مع موضوع اللوحة، عمدت لإدخال الإطار كمنحوتة لونية ضمن موضوع اللوحة ، أي إنني أطوع اللون نحتيا. ، ولا أعرف أين يقودني هذا المسار الجديد في تجربتي.

* - مدن ملونة، وفضاءات ملونة، معرضان أقمتهما في عمان لاحظت فيهما هيمنة الموجودات المدينية ممتزجة بحلم اليوتوبيا .. هل فقدت الأمل في تحقيق أحلامك واقعيا فهربت الى سطح اللوحة لتأسيس مدن حلمية؟

- .... أنا لست سياسيا يا صديقي .. أنا فنان أنشد الخلاص الإنساني على شكل أحلام أترجمها على سطح اللوحة في اللون والمواد الأخرى ، مدني تعج بالحياة والأحلام المعطلة وكما يقول احد الكتاب لأنهم فقراء فأحلامهم مشروعة . إنني أحلم وجاءت لوحاتي كرنفالا للاحتفاء بالحياة رغم مرارتها. إنني انحت الحزن جماليا وأسعى الى تأسيس مملكة الإنسان السعيد الملونة، فاللون هو العلامة الفارقة لمدني وأحلامي.

* - يصف غاستون باشلار لحظة الخلق بكونها لحظة ميتافيزيقية، كيف تنظر الى عملية الإبداع وهي تخضع لعمليات القسر النظرية، وأعني تحديدا البيانات والتنظيرات التي تسبق أو تحايث أنجاز العمل الفني ؟

- .... المهم عندي هو المنجز الفعلي في التجربة الفنية، وأما أضغاث الأحلام والنوايا والانثيالات الإنشائية فهي هوامش خارج التجربة ، أو بمعنى أخر إنها موضوعة خارج أبداعية. وأنا لست معنيا تماما للإعلان عن تجربتي بغير فعل عملي متحقق. كما إنني غير مستعد للانخراط في حملة إعلانية يقودها فاشلون لم يستطيعوا لتأسيس تجارب متفردة، وتعاونوا من أجل حملة لشراء الأصوات في سوق الفن الرخيص. أنا أثق بلوحتي ولا تهمني الطرق الملوتية للتسويق.. أنا أحلم بمتلقٍ لا يملك ثمن شراء لوحتي ولكنه يثريني بملاحظة أو همسة شفاهية.
البيانات النظرية في المشهد التشكيلي العراقي و العالمي تمثل الصورة الأخرى لوجه اللوحة والمنجز التشكيلي الصامت، ما تعليقك؟*-
- ... لا أمتلك لسانا سليطا ولا حاجة ليّ به للدفاع أو الهجوم في حقل التشكيل. أنا لاعب ماهر في حقلي، و أراهن على المتلقي وخبرته البصرية، وأسعى إلى فعل جدل جمالي بيننا، وهذا بتقديري خير من الركون إلى بيانات تسويقية.
*- لقد هاجر الكثير من الفنانين في زمن النظام السابق أوالنظام الحالي وكانت أسباب الهجرة مختلفة وقد حقق بعضهم النجاح وآخرون فشلوا في التقدم بمنجزهم وبقوا يجترون أعمالهم السابقة أو انسحقوا تحت وطأة المنجز الأوربي.. كيف تنظر إلى هجرة الفنان على المستوى الفني الإنساني، وهل أضافت لك هجرتك من البصرة الى بغداد والاستقرار في عمان أخيرا شيئا الى تجربتك فنيا؟
- .... مثلما يعرف الجميع هناك الكثير من الفنانين تركوا العراق لأسباب سياسية وإنسانية مختلفة نتيجة للظروف الصعبة التي يعيشها المواطن العراقي عموما والمبدع خصوصا بسبب الحروب والحصار والاضطهاد السياسي في زمن النظام السابق ولحد الآن، ولهذا نجد الفنانين تركوا الوطن للبحث عن إيجاد وطن بديل فيه الحرية والاستقرار وممارسة الإبداع . فالبعض استطاع ان يستفيد من العالم الجديد والتعايش مع الحضارة الغربية والتأثير بكل ما هو جديد ومتطور والاقتباس من المنجز الإبداعي الأوربي بالنسبة للفن التشكيليين، وآخرون لم يستطيعوا ان يستمروا في عملهم الإبداعي وذلك لصعوبة الحياة والمعيشة وتقبل العالم الجديد.

أما من الناحية الإنسانية فهي ليست بالسهلة كما يتصور البعض، فالغربة والابتعاد عن الوطن كلها تؤثر على حياة وإبداع الفنان، فمن الفنانين تطور عملهم وآخرين ابتعدوا واختفوا وضاعوا في تفاصيل الحياة الصعبة، أما بالنسبة ليّ فقد استطعت الاستفادة من انتقالاتي المستمرة والاستفادة والتطوير والبحث عن كل ما هو جديد من اجل إضافته الى عملي الفني واعتبرها تحولات مهمة في منجزي الفني العام في تقدمه ، وهذا لم يحدث لو كنت طوال هذه السنوات في مدينتي الأم العزيزة البصرة. وربما لبقيت بمستوى واحد او اقل بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها المبدع البصري والعراقي عموما . .